هرمز وإعادة التحالفات

يبدو أن مضيق هرمز أصبح الشعرة التي ستقسم ظهر البعير ، وتضرب تحالفات الغرب القائمة في مقتل ( وخاصة حلف الناتو )، وتعيد رسم التحالفات القائمة والتي تم تشكيلها بعد الحرب العالمية الثانية، فمضيق هرمز ، أو باب السلام كما يعرفه العرب، أصبح الهاجس الكبير الذي يؤرق الرئيس الأمريكي رونالد ترمب، الذي يشن حرباً على إيران قاربت على يومها العشرين، والتي لم تحسم نتائجها حتى الآن، فقد جر نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي ترمب لهذه الحرب، واغرقه في مستنقع شديد التعقيد وخطير النتائج، ورغم أن ترمب وأعضاء فريقه لهم اهداف ومصلحة في هذه الحرب إلا أن حسابات نتائجها لم تكن صحيحة، فاترمب الذي لم يكن ليتوقع استمرار الحرب كل هذه المدة، وأنها ستكون حرب خاطفة كما هيء له نتنياهو ذلك، وان مجرد قتل المرشد والقيادة الإيرانية، سيدفع النظام للاستسلام للشروط الأمريكية، ويركع صاغرا أمام ترمب الذي سيعلن النصر ويدخل التاريخ من أوسع أبوابه لتحقيق طموحاته وأحلامه وهواجسه بأنه المبعوث لإنفاذ العالم وإشاعة السلام، ويتفرغ بعد ذلك لمقارعة الصين التي يعتبرها الخطر الأكبر.


   كان لاستمرار إيران بالصمود أمام العدوان الإسرائيلي الأمريكي، بعد امتصاصها الضربه الاولى والضربات اللاحقة أثر كبير في تغير المعطيات والتوقعات والخطط التي وضعها ترمب وإدارته في ظل حرب إرادتها إيران أن تتحول لاستنزاف للجيش الأمريكي الذي بدأ يشعر بنفاذ قدراته أو تأثرها على الأقل.

مضيق هرمز يمر عبره خمس واردات النفط العالمي التي تذهب لجنوب شرق آسيا والصين واليابان كذلك للغرب الأوروبي، حيث يشكل هذا النفط عصب الحياة لهذه الدول وخاصة الدول الغربية، كما يمر عبر المضيق اكثر من ربع انتاج الكبريت والامونيا الذي يستخدم كسماد زراعي، والذي سيتسبب نقصهما في السوق العالمية إلى تأثر الناتج الزراعي العالمي ويسبب أزمة غذاء عالميه، لقد اضطربت حركة المرور في المضيق مما سبب في اضطراب في حركة التجارة العالمية وامدادات النفط، حيث تجاوز سعر برميل النفط الخام المائة دولار، وهذا الذي لا يمكن للغرب الحليف لأمريكا لتحميله على المدى البعيد، حيث تعبر هذة الدول أن الولايات المتحدة قد تسببت في هذة الأزمة نتيجة دخولها حرب لامبرر لها، وكان نتيجة ذلك رفض هذا الغرب ، أو معظمه، دعوات ترمب للانخراط في هذه الحرب، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، أو حتى عبر استخدام القواعد الأمريكية في تلك الدول في أعمالها الحربية ضد إيران، كما حصل مع بريطانيا مثلاً، أو الآن عبر رفضها دعوات ترمب المتكررة لهذه الدول المشاركة في تأمين السفن وحركة المرور في المضيق، أن تهديدات ترمب لدول الغرب ودول الناتو بشكل خاص، سيترك أثر سلبيا على علاقات هذة الدول سواء على المستوى الثنائي أو الجمعي، وقد تكون الشعرة التي تقسم ظهر البعير، وكلمة السر التي تفجر التحالفات القائمة بين هذه المنظومة، مما يؤدي لانفراط عقد حلف الناتو إذا ما قرر ترمب الانسحاب منه وهو ما هدد به مراراً.

في الوقت الذي تنظر فيه روسيا والصين بعين المراقب والمتابع لما يجري في المنطقة، وما سينتج عن هذه الحرب من تغيرات، وكيفية رسم خارطة وتحالفات ما بعد الحرب، نرى أن روسيا والصين لم تتأثر بهذه الحرب، إن لم تكونا قد استفادتا، فارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية ضاعف عائدات روسيا من الدخل من عائدات النفط والغاز، كما أن روسيا استفادت من انشغال أمريكا بإيران لتزيد من الضغط على أوكرانيا في حربها الدائرة هناك، كما أن روسيا ترى في استمرار الحرب وإطالة أمدها استنزاف للسلاح والذخيرة الأمريكية، وهذا لاشك يخدم مصالحها، أما الصين فلم تتأثر وارداتها من النفط من إيران، بل تجاوزت المليونا برميل التي كانت تستوردهما يوميا من إيران في الوضع العادي، كما أن الصين ترى أن أحد أهداف ترمب ونتنياهو من الحرب هو إعاقة وإفشال مشروع طريق الحرير ( الحزام والطريق) الذي أعلن عنه الرئيس الصيني في العام 2013 والذي يربط الصين باسيا وأوروبا وأفريقيا، لصالح الممر الاقتصادي الذي يربط الهند والشرق الأوسط باوروبا.

يبدوا أن نهاية الحرب ستنسف الأحلاف القائمة، وستدفع إلى إعادة إنشاء تحالفات أخرى وسياسات جديدة، ليس على المستوى العالمي فقط بل وعلى المستوى الإقليمي لمنطقتنا، أن الحديث عن حلف يضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان هو أحد المقترحات التي يتم تداولها وتلقى رضي لدى الكثيرين في ظل ما تمر به المنطقة، وفي ظل التحديات التي تواجهها هذه الدول، والمؤيدين لهذا التوجه يرون أن طموحات إسرائيل واطماعها أصبحت واضحة، بل بدأت في تنفيذها فيما يسمى بإسرائيل الكبرى، والتى تهدد بهذا المشروع المنطقة بشكل كامل، ويرى مؤيدوا هذا التوجه أن فشل الولايات المتحدة في الدفاع عن حلفائها في المنطقة، وتركيز جهودها لحماية دولة الاحتلال، تبرر لهذه الدول إعادة رسم سياستها وتحالفاتها بما يخدم مصالحها، الجميع أصبح يعرف أن الولايات المتحدة تسعى للسيطرة على مضيق هرمز والبقاء فيه والتحكم بحركة الملاحة فيه، بل هى تعمل على السيطرة على المضائق وطرق الملاحة البحرية في المنطقة بشكل كامل في محاولاتها لمحاصرة الصين، وما ليس ما قامت به دولة الاحتلال في منطقة القرن الأفريقي واعترافها بأرض الصومال إلا جزء من هذا المخطط، والذي ستعمل الولايات المتحدة بعد احكام سيطرتها على المضائق وطرق الملاحة تسليم أمنها وإدارتها والسيطرة عليها لإسرائيل وتتفرغ هى لحربها مع الصين، وما المحاولات الإسرائيلية الأمريكية لخنق مصر إلا جزء من هذا المخطط، فمصر هى الوحيدة القادرة الأن لوقف هذا المخطط وافشاله كما حدث عندما أفشلت المشروع الإسرائيلي لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وليس ما يجري من تدخل اسرائيلي في القرن الأفريقي إلا محاولات للتحكم بحركة الملاحة في باب المندب وخليج عدن لخنق الملاحة في قناة السويس، وكذلك سياستها في اثيوبيا للتأثير على شريان الحياة في مصر . 

ستتغير التحالفات ، وستكون هذة الحرب نقطة تحول لإعادة رسم السياسات في العالم أجمع، أن إعادة تفعيل اتفاقيات الأمن القومي العربي، والتنسيق والتعاون مع الدول في المنطقة، أصبح أمرا ضروريا، بل مرتكزا لمواجهة التحديات التي تواجه المنطقة وتهدد أمنها وأمن شعوبها قبل فوات الأوان.


لواء/ مستشار مأمون هارون رشيد

رام الله فلسطين

أحدث أقدم

نموذج الاتصال