أعلنت جبهة تحرير أزواد (FLA) فجر الأربعاء شنّ هجوم بخمس وعشرين طائرة مسيّرة انتحارية على مطار غاو العسكري، في أضخم عملية من نوعها تُنفّذها الجبهة منذ لجوئها إلى هذا الأسلوب القتالي عام 2024، وسط تصاعد ملحوظ في وتيرة المواجهات بين الحركات المسلحة والجيش المالي المدعوم بالفيلق الإفريقي الروسي.
وفقاً لبيان جبهة تحرير أزواد، استهدفت الطائرات المسيّرة معسكر فيهرون أغ الينصار داخل مطار غاو، الذي يُعدّ من أكبر القواعد العسكرية المالية في المنطقة، ويضم بحسب مصادر ميدانية تمركزاً مشتركاً للجيش المالي والفيلق الإفريقي الروسي.
وأفاد شهود عيان بسماع انفجارات متعاقبة داخل المطار ومحيطه في الساعات الأولى من فجر يوم الأربعاء، فيما أشارت مصادر محلية من داخل غاو إلى وقوع أضرار في المنشآت والمعدات بالقاعدة العسكرية.
وأعلنت جبهة FLA أنها ستُصدر تقييماً ميدانياً مفصّلاً للعملية فور استكمال التحقق من نتائجها.
ولم يصدر الجيش المالي حتى لحظة إعداد هذا التقرير أي تعليق رسمي على الحادثة، وهو نمط متكرر في التعامل الإعلامي للجانب الحكومي المالي مع العمليات الكبرى.
وتأتي هذه العملية لتُسجّل سابقة من حيث الكثافة؛ إذ لم تسبق لغاو أن تعرضت لهجوم جوي بهذا الحجم من طرف اي حركة مسلحة من قبل، مما يُشير إلى قفزة نوعية في القدرات العملياتية لجبهة تحرير أزواد، وفي طموح أهدافها الاستراتيجية.
هجوم غاو سبقته سلسلة عمليات متصلة نفّذتها جبهة تحرير أزواد خلال الأسابيع الماضية.
ففي الرابع من مارس 2026، أعلنت الجبهة مسؤوليتها عن هجومين متزامنين استهدفا دورية مشتركة للجيش المالي والفيلق الإفريقي الروسي جنوبي مدينة كيدال، أسفرا عن تدمير آليتين عسكريتين وسقوط قتلى وجرحى، دون أن يُؤكد الجيش المالي أو ينفي هذه الأرقام.
وعلى امتداد العامين الماضيين، وثّقت الجبهة عمليات متعددة في مناطق متباعدة جغرافياً تشمل كيدال وتمبكتو وليري وغوندام وتيساليت وأجلهوك، مما يعكس قدرة تنقل واسعة النطاق لـ FLA في ظل تضاريس صحراوية وعرة.
وفي يوليو 2025، أعلنت الجبهة عن تنفيذ كمين في منطقة ألكيت جنوب كيدال ضد رتل عسكري مالي، واستولت الجبهة على بعض المعدات في تلك المواجهة، واعترف الجيش المالي بوقوع اشتباكات في المنطقة دون الإفصاح عن حجم الخسائر.
وتجري هذه الأحداث الميدانية في خضم انهيار مسار السلام الذي استغرق بناؤه سنوات؛ إذ أنهى المجلس العسكري الحاكم في مالي اتفاقية السلم والمصالحة المبرمة عام 2015 برعاية جزائرية، والتي كانت تمثّل الإطار القانوني الوحيد للتفاوض بين الحكومة المالية والحركات الأزوادية.
في أعقاب ذلك الانهيار، انعقد مؤتمر تين زواتين في نوفمبر 2024، وأعلن فيه عن توحيد كافة الحركات تحت مسمى جبهة تحرير أزواد (FLA).
وتطالب جبهة تحرير أزواد بحق تقرير المصير، في حين ترفض باماكو هذا التوصيف وتصنّف عمليات الجبهة ضمن خانة الإرهاب والتمرد المسلح.
وأضاف انخراط الفيلق الإفريقي الروسي خلف مجموعة فاغنر المنحلة طبقةً من التعقيد على المشهد الأمني.
فمنذ منتصف عام 2025، تزايدت الاشتباكات التي تضمنت مشاركة موثقة لعناصر عسكرية روسية إلى جانب الجيش المالي، في تحوّل لافت في طبيعة الوجود الأجنبي بالمنطقة.
وبينما يرى المجلس العسكري في هذا الدعم ركيزةً لاستعادة السيطرة على إقليم أزواد، يُشير المراقبون إلى أن تداعياته على الصعيد الإنساني بالغة الخطورة، وإلى أنه لم يحسم بعد أياً من الملفات الأمنية في المنطقة.
وكانت مالي قد طردت قوات برخان الفرنسية وبعثة الأمم المتحدة للاستقرار(ميونيسما)، في خطوة أعادت رسم خريطة التحالفات الإقليمية والدولية بصورة جذرية خلال السنوات الأخيرة.
ومع هذه التطورات الأمنية، تتراكم الأعباء على المدنيين في مناطق النزاع، وكان الحصار الذي فرضته جماعة النصرة التابعة للقاعدة على طرق الإمداد القادمة إلى باماكو في سبتمبر 2025 قد أسفر عن تدمير أكثر من مئة شاحنة صهريج، مُسبّباً أزمة وقود طالت الخدمات الأساسية في العاصمة وما حولها، ودفعت حدة التوترات عدداً من الدول إلى إصدار تحذيرات سفر لرعاياها في مالي، فيما طالب الاتحاد الأفريقي بتحرك دولي أكثر فاعلية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة.
عمر الأنصاري
