كل المؤشرات تؤكد أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ، دخلت مرحلة خطيرة أصبح معها صعوبة السيطرة واحتواء التصعيد ، في ظل تحولها إلى مواجهه إقليمية مفتوحة بعد استهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق وكذلك أذربيجان وتركيا وقبرص ، وكأن إيران تسعى على استفزاز هذه الدول لجرها للتدخل المباشر في الحرب لخلط الاوراق التي راهن الرئيس ترمب أن تكون قصيرة ومحدودة ، والتي دخلها ارضاءا لنتنياهو المستفيد الأول من هذة الحرب ، لقد دفع نتنياهو الرئيس الأمريكي لإعلان الحرب خدمة لمشروعه هو ، ولم يراعي كثيرا المصلحة الأمريكية عندما أخذ هذا القرار ، ولم يقدر بشكل واقعي نتائجها وارتداداتها سواء على المصالح الأمريكية أو على مصالح حلفائها ومصالحهم ، ترامب انجر لضغوطات نتنياهو وفريق صهيوني متطرف في الإدارة الأمريكية ، الذين لم يضعوا صوب أعينهم الا المصلحة الإسرائيلية ومصلحة نتنياهو بشكل أساسي ، ورؤيته الصهيونية الانجليلة المتطرفة ، والمعتمدة على أساطير توراتية بإقامة اسرائيل الكبرى وظهور المسيح ، وقد عبر ( هكابي )السفير الأمريكي لدى إسرائيل عن ذلك مؤخرا وبشكل واضح .
أقدمت إيران على ضرب القواعد الأمريكية في دول الخليج ، وبعض دول المنطقة ، وقد أوقعت خسائر مهمه في بعض المواقع ، لقد كلفت هذة القواعد تريليونات الدولارات لتحمي دول المنطقة والمصالح الأمريكية والحلفاء ، فكان أن كانت هى هدف للضربات الإيرانية ، ورغم وقوع خسائر كبيرة في الجانب الإيراني نتيجة الضربات الأمريكية الإسرائيلية ، سواء في الجانب المادي أو البشري ، إلا أن إيران استطاعت امتصاص الضربة الأولى ، وتعمل على قلب الطاولة ومشاغلة المنطقة كلها وإطالة امد الحرب لرفع كلفتها لدى الجانب الأمريكي ، كان ترمب يعتقد أن أمد الحرب لن يطول ، وأن النظام سيسقط خلال أيام وبعد الضربة الأولى التي قتل فيها المرشد ، إلا أن إيران لازالت تتصدى للهجوم رغم عظم الخسائر في جانبها ، فالنظام لم يسقط حتى الآن ، والجيش والحرس الثوري لازالا صامدين ، ولا إنقلاب عسكرى ضد النظام حدث ، ولاثورة شعبية اندلعت لتغير النظام ، حتى القوى القومية التي يراهن عليها ترمب ليست بتلك القوة والجهوزية لإسقاط النظام ، بل إنها ستتعرض لمجزرة إن هى فكرت أو بادرت للقيام بذلك ، لأن النظام الدموي القائم في طهران لن يسمح بأي شكل من الأشكال لهذه القوى أن تنجح فيما فشلت به واشنطن وتل أبيب حتى الآن على الأقل ، ( فالقوات الكردية التي يقال إن الرئيس ترمب يعمل على تسليحها لغزو إيران لاتتعدى عشرة آلاف شخص ، فكيف يمكن لمثل هذا قوة أن تسقط النظام وتسيطر على إيران الدولة مترامية الأطراف ، كما يقول الكاتب الإسرائيلي ألون مزراحي) ، ثم أن أي تدخل بري أمريكي غير وارد حتى الآن ، فحجم تكلفة هكذا تدخل ستكون هائلة على كل الجوانب ، والتي لا اعتقد ان ترمب جاهز لتحمل تلك التكلفة الآن ، سواء على المستوى العسكري والخسائر المادية والبشرية ، أو على المستوى الاقتصادي ، كذلك هل يستطيع تحمل ارتدادات ذلك على الصعيد الداخلي ، علما أن أصوات كثيرة بدأت تعلوا معارضة لهذه الحرب ، وتتهم ترمب أنه أشعل حرباً لامصلحة أمريكية فيها ، بل خدمة لنتنياهو فقط ، وهل سيتحمل ترمب تأثير ذلك على الانتخابات النصفية القادمة ، إن أسعار النفط جاوزت التسعين دولار ، حيث من المتوقع أن تصل إلى المائه والخمسون دولار للبرميل الواحد ، وهذا ما سينعكس على الاقتصاد الأمريكي والعالمي بشكل مباشر ، مما قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية عالمية تنهار أثرها بعض اقتصاديات الدول الحليفة للولايات المتحدة ، مع ارتفاع في الأسعار قد يجتاح كل دول العالم .
النظام الإيراني يحصد الآن نتيجة سياسته الخارجية ، والجماعه التوسعية في دول الجوار ، واوهامه وأحلامه لإعادة امجادة وامبراطوريته الزائلة ، أن سياسة تصدير الثورة التي انتهجها نظام الملالي طوال العقود الأربعة الأخيرة قد أضرت بالمنطقة كلها ، فلم تسلم العراق وسوريا ولبنان ودول الخليج واليمن وفلسطين ، حتى الدول العربية في افريقيا لم تسلم من هذه السياسة التوسعية والتدخل في شؤونها ، وانشاء أذرع ومليشيات طائفية اعتمدت عليها لضرب استقرار هذة الدول ، لقد كانت سياستها تعمل على فرض نفوذها كلاعب أساسي في المنطقة ، وسرقة ونهب خيرات هذة البلدان ، فغذى الانقسامات بين الدول وشعوبها ، واشعل الحروب خدمة لمصالحه واطماعه ، هذا النظام الآن يرى أن إغراق المنطقة في حروب وفوضى سينعكس على الولايات المتحدة والغرب ، ويضعهم في أزمة اقتصادية ينهار نتيجتها كثير من اقتصادات الدول ، النظام في طهران يرى أنه جاهز لإغراق العالم قبل أن يغرق هو ، فاغلاق مضيق هرمز ، ومنع تصدير النفط ، وتعريض طرق الملاحة للخطر ، واستهداف دول الخليج ، كل ذلك سيؤثر على الاقتصاد العالمي ولسنوات طويلة ، وهذا آخر ما يريدة ترمب ، ( يقول سيرجي شويغر ، وزير الدفاع الروسي ، إن اغلاق مضيق هرمز ليوم واحد قد يتسبب بخسائر تصل إلى سبعة مليارات دولار لليوم الواحد)).
فماذا سيفعل الرئيس ترمب للخروج من هذا المأزق الذي دفعه نتنياهو اليه ؟ الأيام القادمة حبلى بالمفاجأت التي سيبنى عليها شكل المنطقة ، وشكل إيران مابعد الحرب .
لواء/ مستشار مأمون هارون رشيد
رام الله/ فلسطين
