الحرب القذرة واحتمالات التصعيد غير التقليدي

بينما يلوح ترامب باستخدام أسلحة غير تقليدية تلتزم إيران صمتا استراتيجيا" مريبا

في خضم التوترات الدولية الحادة، كثيرا ما تتحول ساحات الصراع إلى مسارح للخطابات الملغزة والإشارات غير المباشرة. في هذا السياق، لا تقتصر أدوات الردع على القوة العسكرية الظاهرة فحسب، بل تمتد لتشمل توظيف "الغموض الاستراتيجي" كأداة ضغط نفسي وسياسي. إنها لعبة الأمم في حافة الهاوية، حيث تصبح الكلمات والتلميحات جزءا لا يتجزأ من معادلة الصراع، وقد تنذر بانزلاق الأزمات نحو ما يعرف بـ"الحرب القذرة".

يتأرجح الخطاب العسكري الأمريكي بين التأكيد على التفوق التقليدي والإشارة الضمنية إلى الخيارات غير التقليدية. ففي سياق حماية مصالحها وأمن حلفائها، تستخدم واشنطن أحيانا لغة تحتمل تأويلات متعددة، تشير إلى امتلاك "خيارات استثنائية" للرد على التهديدات الوجودية. وهذا الخطاب، في كثير من التحليلات، يقرأ على أنه تلميح إلى إمكانية استخدام ترسانة نووية أو أسلحة استراتيجية أخرى، بهدف رفع كلفة المواجهة على الخصم قبل نشوبها. الهدف هنا هو تعزيز الردع عبر خلق هالة من عدم اليقين لدى الطرف الآخر حول الخط الذي قد تصل إليه الولايات المتحدة فيا تسميه الدفاع عن مصالحها.

ولكن في المقابل، تتبنى الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجا متقنا من "الردع السلبي" الممزوج بالغموض. تستند طهران في خطابها الرسمي إلى مبادئ دينية وسياسية تحرم صراحة امتلاك واستخدام أسلحة الدمار الشامل. غير أن هذا الرفض المبدئي لا يمنع من توظيف خطاب سياسي وعسكري يوحي بامتلاك "قدرات ردعية متنوعة" قادرة على توجيه "رد قوي ومؤلم" على أي عدوان واسع النطاق. هذا التباين المقصود بين الموقف المعلن والتلويح بالقدرات غير المعلنة يخلق منطقة رمادية في ذهن الخصم، تضعف إمكانية التقدير الدقيق لقدرات إيران ونواياها، مما يعزز عنصر الردع لديها.

ويعكس هذا التفاعل الخطابي نمطا كلاسيكيا في العلاقات الدولية، حيث تتحول الرسائل غير المباشرة إلى سلاح استراتيجي. فالغموض هنا ليس مجرد حالة عابرة، بل هو أداة سياسية-عسكرية محسوبة تهدف إلى:

ـ تعزيز الردع عبر تضخيم المخاطر المحتملة في ذهن الخصم.

ـ تجنب التصعيد المباشر إذ يحول الإعلان الصريح دون الوصول إلى نقطة اللاعودة، ويبقي هامشا للمناورة الدبلوماسية.

ـ إدارة الصراع عبر التحكم في تصورات الرأي العام الداخلي والدولي حول طبيعة التهديدات وحدود الرد.

ومع ذلك، فإن الانزلاق في مستنقع "الحرب القذرة" الذي ليس سوى صراعات تتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية إلى استخدم وسائل بالغة التأثير على الإنسان والبيئة لبذي يشكل هاجسا دوليا. فحتى لو كان التلويح بالأسلحة غير التقليدية (نووية، كيميائية، بيولوجية، أو حتى سيبرانية مدمرة) جزءا من استراتيجية الضغط، فإن مجرد طرحه على الطاولة يساهم في تآكل الأعراف الراسخة. هذا التآكل يزيد من احتمالية سوء التقدير، أو فقدان السيطرة على مسارات التصعيد، أو حتى وصول هذه الأسلحة إلى جهات غير حكومية أو فاعلين منفتحين.

وكانت المنظومة الدولية قد أدركت هذا الخطر مبكرا، فسعت إلى بناء شبكة من المعاهدات والاتفاقيات (كمعاهدة حظر الانتشار النووي واتفاقية الأسلحة الكيميائية) بهدف تجريم هذه الأنماط التسليحية وتقويض شرعيتها. لكن هذه المنظومة تواجه تحديات مستمرة في ظل انهيار بعض الاتفاقيات الثنائية والتشكيك المتزايد بفعالية آليات الرقابة الدولية.

وعليه فإن خطاب "الاحتمالات غير التقليدية" هو سيف ذو حدين حيث يشكل، من جهة، أداة ضرورية في لعبة الردع والتوازن الاستراتيجي، تسمح للأطراف بتثبيت قواعد اشتباك ضمنية دون خوض حروب مكلفة. ومن جهة أخرى، فإن الإفراط في استخدامه أو إساءة تقدير رسائله قد ينقلب إلى عامل زعزعة استقرار، يدفع المنطقة أو العالم بأسره نحو صراعات يصعب احتواؤها. لذا، فإن فهم هذه الديناميكيات يتطلب قراءة عميقة للسياقات، وتفكيكا دقيقا للرسائل المبطنة، واستحضارا دائما للكلفة الإنسانية الكارثية التي قد تترتب على أي تصعيد غير تقليدي. فهل يدرك اتراب "السبعيني" المدفوع "صهيونيا" هذا البعد فيكف عن التلويح بالذهاب أبعد، وتدرك إيران حجم "المجروحة" المخاطر التي تهدد الوجود فتمنع الانزلاق إلى الهاوية؟.


بقلم: الولي سيدي هيبه

أحدث أقدم

نموذج الاتصال